حلاقين السكة الحديدية

 

رغم الانفجار العمراني الذي عرفته مدينة الدارالبيضاء إلا أن بعض المشاهد فيها لازالت تنتسب للقرن الماضي، تمر من أمكنة لتجدها تسافر بك عبر الزمن، وتعطيك نبذة عما كان عليه المغرب قبل عقود، ومن بين هذه الأماكن زقاق اجتمع فيه الحلاقون منذ الأربعينات ولم يبارحوا مكانهم، لا تسمع فيه صوت آلة الحلاقة الكهربائية ولا يزعجك صوت السشوار، لازال يتم العمل فيه بأدوات شبه بدائية، ووحدها طريقة تعقيمها تنتسب للألفية الثالثة.

بعيدا عن مفهوم “الباربر شوب” الأمريكي أو محل الحلاقة حيث يجتمع السود للحلاقة والدردشة والنقاشات التي لا تخلو من خفة الدم وبعيدا أيضا عن الحلاق كما نعرفه اليوم بمحل مزين بالأضواء ومرايا كبيرة ومحل واسع، يوجد زقاق الحلاقين بدرب السلطان يصارع الزمن ولا يتأقلم مع عصرنا، بقي وفيا لعصر تشييده بالأربعينات ولم يسمح للزمن بأن يغير معالمه ما عدا شقوق على الجدران وعلامات النسيان الذي طاله بادية على واجهات محلاته .. إسم الزقاق زنقة السكة الحديدية وعزيمة الحلاقين المتواجدين فيه هي الأخرى حديدية رغم أن صبرهم لسنين بدأ يعتريه الصدى.

تفصل زنقة السكة الحديدية أو “ماركو “ بين شارع محمد السادس والطريق المؤدية لمحطة ولاد زيان، جمع فيها حلاقو درب الكبير وكاراج علال في الأربعينات في دكاكين متكئة على حائط السكة الحديدية وقد حبس الحي أنفاسه منذاك ولم يطلقها فاحتفظ بكل ما يميز تلك الحقبة ولم يبارح الحلاقون المتراصون على شارعه مكانهم منكبين على عملهم، يصارعون الزمن لكسب قوت العيش وأوفياء لمهنة لا تسد جوعا ولا تغني جيبا.

يجهل العديد من الشباب البيضاويين وجود زنقة الحلاقة المتواجدة على شارع محمد لا تتجاوز مساحة محلاتها الثلاث أمتار مربعة، كانت في بادئ الأمر تطل على الشارع لكن بعد أن شب أول حريق تم إبعادهم عن ناصية الشارع المواجهة للقصر الملكي درب السطان و إدخالهم لداخل الزقاق.

WP_000888

على غرار بائعي الملابس والأواني والسلع بالبيضاء الذين كانوا يجتمعون في خيام لبيع سلعهم في أبعينات القرن الماضي، كان الحلاقون يستقبلون زبائنهم في خيام بسيطة، وكانوا يجتمعون خصوصا بدرب الكبير وكراج علال بحثا عن الزبائن وسط الرواج التجاري، لكن بعد سنة 1945سيتم نقل هؤلاء الحلاقين إلى مكانهم الحالي، وبعد عودة الملك محمد الخامس من منفاه سيأمر بأن يتم تحويل خيام الحلاقين إلى دكاكين، فقامت البلدية حينها بتشييد دكاكين خشبية بقيت على حالها إلى يومنا هذا، خشبية وسيطة ولا تتوفر على الربط بالصرف الصحي ولا الكهرباء ولا حتى الماء الصالح للشرب.

مطعم وسط الحلاقين

تشكل دكاكين الحلاقين صفا طويلا، يناهز عددها العشرين ويكسر هذا المنظر مطعم السيدة فاطمة الذي يتقدم هذا الصف الطويل، استقبلتنا صاحبته بحفاوة البسطاء في مطبخها المتواضع الذي لا يتوفر على أبسط البنيات التحتية، من ربط بالماء والكهرباء،تحكي لنا فاطمة وهي سيدة في أواخر الخمسينات ترك الزمن الكثير من الأثر عليها حتى أصبح مظهرها كمن جاوزت السبعين من العمر.

حولت فاطمة، المناضلة السابقة في صفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محل زوجها المتوفى منذ ثمان سنوات إلى مطعم حتى لا تمد يدها للغير، كان زوجها من أوائل الحلاقين الذين وجدوا في المكان وبعد وفاته لم تجد معيلا أو حلا سوى أن تحول محل حلاقته لتعيل أسرتها وأختها المريضة التي تقطن معها، تطبخ هي لزبنائها فيما يتراص زبائن آخرون على ناصية الشارع في انتظار دورهم ليحلقوا ذقونهم أو يقصوا شعرهم، معطين انعكاسا بالرواج، فيما أنهم عدد قليل لا يمكن أن تسعه دكاكين الحلاقين الضئيلة المتوفرة على كرسي وحيد للحلاقة ومرائي مشقوقة أو مكسورة.

 

مبارك، شيخ الحلاقين

بلغ عدد الحلاقين سنة 1973، 2500 حلاقا بالدار البيضاء، تعلم أغلبهم على يد حلاق آخر أو “المعلم” لكن المعلم الكبير حينها قام باستدعاء كل حلاقي العاصمة الاقتصادية للقيام بدورة تكوينية للحصول على دبلوم الحلاقة في مدرسة درب ليهودي وكان الحائز على المرتبة السابعة على صعيد حلاقي الدارالبيضاء الحاج مبارك، رجل في أول الثمانيات، لازال يحاول الحفاظ على نشاطه رغم أن المكان لم يعد يدر على صاحبي المحلات بشيء فقد يمر اليوم حسب الحاج مبارك دون أن يدخل سنتيما واحدا، يسترسل هدا المناضل السابق في صفوف حزب الاستقلال أن جدران المحلات الخشبية عرضتهم لثلات حرائق، كان آخرها السنة الماضية وتلقوا العديد من الوعود بنقلهم لحي “درب ميلة” لمحلات مجهزة بكل ما يناسب محلا للحلاقة، لكن أغلب الحلاقين لا يملكون المبلغ المطلوب فما كان من السلطات إلى أن تتناسى أمرهم مرة اخرى.

عمل، أبا عن جد  

 

WP_000890(1)معظم العاملين في المحلات رجال تتراوح أعمارهم بين أواخر الأربعين وبداية الخمسين رغم أن المكان يعود لأربعينيات القرن الماضي، وهي ملاحظة أبديناها لبوشعيب، صاحب محل، والذي أقر أنهم أبناء حلاقين توفوا أو يكترون المحل بسومة كرائية زهيدة من أصحابهم، ويضيف أنه هو كذلك ورث حرفة الحلاقة والمحل أيضا عن والده وترك صفوف الدراسة منذ الخامس ابتدائي ليعمل بجانب والده، في مثال حي للمثل المغربي “تبع حرفة بوك لا يغلبوك” رغم أن الزمن يغلب ويقسم الظهر حسب بوشعيب، فالمحل لا يذر إلا بما يسد الجوع، و يعتبر نفسه محظوظا إن جمع سومة الكراء دون الحاجة إلى اقتراض المبلغ، فالحلاقة هنا لا تتجاوز سقف الخمس دراهم وقد تتعداه بفضل زبائن أسخياء ينذر وجودهم كثيرا.

الطموح في تحسن الأحوال يوما ما هو ما يبقي هؤلاء الحلاقين المتفانين في عملهم والمتشبتين بمكانهم لا يبارحونه، رغم أن محلاتهم غير مزودة بأبسط المتطلبات، كالماء والكهرباء ، فخلال النهار يضطرون للمشي حتى ساقية توجد ب”الرحبة” للوضوء والصلاة وزاد الطين بلة اصطفاف شاحنات النقل الكبرى أمام محلاتهم وتختفي محلاتهم الصغيرة وراء ضخامتها.